برحيل ليندسي غراهام… هل فقد الكرد صديقاً في واشنطن؟

الآراء 10:10 AM - 2026-07-18
عباس عبدالرزاق

عباس عبدالرزاق

لم يكن السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام مجرد عضو نافذ في مجلس الشيوخ أو أحد أكثر الأصوات تشدداً في قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية الأميركية؛ فقد مثّل، بالنسبة إلى كثير من الکورد السوريين، واحداً من آخر السياسيين الأميركيين القادرين على تحويل التعاطف السياسي إلى مبادرات تشريعية وضغوط دبلوماسية داخل واشنطن.
جاءت وفاته في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، فيما تتسارع التحولات في سوريا، وتُعاد صياغة خرائط النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية، وتزداد الضغوط على الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرقي البلاد. ولهذا، فإن رحيل غراهام لا يقتصر على خسارة الحزب الجمهوري لواحد من أبرز وجوهه، بل يفتح أيضاً باب التساؤل حول مستقبل الحضور الكردي في الحسابات الأميركية.
على مدى أكثر من عقدين، ارتبط اسم غراهام بالتيار الجمهوري التقليدي المؤمن بالدور العالمي للولايات المتحدة، وبأهمية التحالفات العسكرية والسياسية التي بنتها واشنطن بعد الحرب الباردة. وفي الشرق الأوسط، كان من بين الأصوات التي دافعت عن استمرار الانخراط الأميركي، سواء في مواجهة إيران أو في الحرب على التنظيمات المتشددة أو في حماية الحلفاء المحليين الذين قاتلوا إلى جانب القوات الأميركية.
وخلال السنوات الأخيرة، اكتسب موقفه من القضية الكردية في سوريا أهمية خاصة. فبعد الانسحابات الأميركية المتتالية والتفاهمات المعقدة بين واشنطن وأنقرة ودمشق، برز غراهام بوصفه أحد أبرز المدافعين عن ضرورة توفير ضمانات سياسية وأمنية للقوات الكردية التي شكّلت رأس الحربة في الحرب ضد تنظيم «داعش».
ولم يكن مشروع «حماية الكرد» الذي طرحه في مجلس الشيوخ مطلع هذا العام مجرد خطوة رمزية. فالمشروع عكس وجود تيار داخل المؤسسة الأميركية يرى أن انهيار التجربة الكردية في شمال شرقي سوريا لن يقتصر أثره على الأكراد وحدهم، بل سيمتد إلى التوازنات الأمنية في المنطقة بأسرها. كما حمل رسالة واضحة مفادها أن واشنطن لا تستطيع، من الناحية الأخلاقية والسياسية، التخلي عن شركائها المحليين بعد سنوات طويلة من التعاون العسكري.
غير أن المشروع، على الرغم من صداه السياسي والإعلامي، لم يتحول إلى قانون نافذ. فقد اصطدم بالتعقيدات التقليدية داخل الكونغرس الأميركي، وباختلاف الأولويات بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية، فضلاً عن الحسابات الدقيقة التي تحكم العلاقة مع تركيا، العضو المحوري في حلف شمال الأطلسي.
اليوم، وبعد غياب غراهام، تبدو الأسئلة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فهل ستواصل واشنطن التمسك بالتزاماتها تجاه الأكراد السوريين؟ وهل ستفضي الجهود التي يقودها المبعوث الأميركي توم باراك إلى تسوية تضمن للأكراد مكانة دستورية وإدارية واضحة داخل الدولة السورية؟ أم أن المنطقة تتجه نحو ترتيبات جديدة يكون فيها الوجود الكردي هو الحلقة الأضعف؟
الواقع أن ما يجري يتجاوز حدود شخصية ليندسي غراهام وتأثيره السياسي. فالمسألة تتعلق بتحول أعمق في الاستراتيجية الأميركية نفسها. إذ يبدو أن واشنطن، المنهكة من حروب الشرق الأوسط، لم تعد تنظر إلى المنطقة من زاوية بناء التحالفات طويلة الأمد بقدر ما تنظر إليها من زاوية إدارة التوازنات وتقليص الأكلاف.
وفي هذا السياق، يخشى كثير من الأكراد أن تتحول الضمانات الأميركية إلى مجرد تفاهمات مؤقتة، قابلة للتعديل أو التراجع كلما تغيّرت موازين القوى أو تبدلت أولويات البيت الأبيض. فالتجربة الكردية الحديثة، منذ العراق وصولاً إلى سوريا، أثبتت أن التحالفات الدولية، مهما بدت راسخة، تبقى رهينة المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى.
ربما لن يغيّر رحيل ليندسي غراهام مسار الأحداث في سوريا بصورة مباشرة، لكنه يرمز إلى نهاية مرحلة كان فيها داخل واشنطن صوت جمهوري نافذ يدافع علناً عن ضرورة حماية الحلفاء الأكراد. أما المرحلة المقبلة، فستفرض على الكرد اختباراً جديداً: كيف يمكن الحفاظ على مكاسبهم السياسية والعسكرية في منطقة تتغير خرائطها وتحالفاتها بوتيرة غير مسبوقة؟

PUKMEDIA

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket