بين العشق والسياسة والذكريات

الآراء 09:19 PM - 2026-08-26
عماد احمد

عماد احمد

الحياة ليست خطاً مستقيماً يبدأ من بوابة الولادة ويصل، من دون منعطفات، إلى شاطئ الشيخوخة. الحياة نهر؛ تارةً يجري برفق بين الأزهار، وتارةً يجرّ نفسه بغضب على الصخور. كل مرحلة تنتزع شيئاً من الإنسان وتهبه شيئاً آخر؛ تأخذ منه طفولته وتترك له الذكريات، تمرّ به مرحلة الشباب ويبقى منها التجارب، ويبتعد الأصدقاء، لكن أصواتهم وملامحهم تصبح رفاقاً دائمين للروح.
وأنا أيضاً قطعت في هذا النهر رحلة طويلة بين الحب والسياسة والذاكرة؛ رحلةً كان القلب فيها دليلي تارةً، والفكر تارةً أخرى، والحلم مرةً، وجراح التجربة مرةً أخرى. لكن الأمل، في كل تلك الطرق، كان النجمة التي لم تسمح، حتى في أحلك ليالي الحياة، بأن تضيع الطريق من أمام عيني.
كان أول خفقان للحب أول نداء لاستيقاظ القلب. في تلك اللحظة لا يزال الإنسان لا يعرف ما هو الحب، لكنه يشعر بأن العالم قد اكتسى فجأةً بلون آخر. الطرق هي الطرق نفسها، والسماء هي السماء نفسها، والشمس هي الشمس نفسها، لكن لكل شيء معنى جديداً؛ يصبح اسمٌ ما أغنية، ونظرةٌ ما رسالة، ويصبح الانتظار أطول ساعات العمر.
إن أول حب ليس مجرد حب شخص؛ بل هو أول إدراك لجمال الحياة. ففي تلك اللحظة يتعلم الإنسان أن القلب يستطيع أن يتخذ القرار قبل العقل، من دون أن تكون لديه خريطة الطريق. الحب هو أول مدرسة للعطاء؛ مدرسة يصبح فيها فرح شخص آخر جزءاً من فرحنا، ويتردد ألمه في قلوبنا. لكن القلب لا يخفق للحب وحده؛ فأحياناً يكون صوت الشعب، وألم الوطن، وحلم الحرية، سبباً للخفقان ذاته. وهناك يتجاوز الحب حدود الفرد، ويفرد جناحيه ليصبح حباً للأرض والإنسان والمستقبل.
عندما فتحت قلبي للسياسة، لم تكن السياسة بالنسبة إليّ طريقاً إلى السلطة أو المناصب والمراتب؛ بل كانت رسالة: رسالة التنظيم المقدس للكادحين في كردستان، رسالة العدالة والتحرر والكرامة الإنسانية. كانت حلماً يريد أن يجمع الخبز والكرامة، والحرية والمسؤولية، والوطن والعدالة، في أفق واحد.
في ذلك الزمن، لم تكن السياسة قاعات واسعة، ولا مناصب رفيعة، ولا كراسٍ وثيره؛ بل كانت طريقاً مليئاً بالمراقبة والسرية والمخاطر والانتظار. كانت لكل كلمة كلفة، ولكل خطوة خطر يرافقها، وكان كل شعار يمكن أن يصبح بوابة إلى السجن. لكن عندما تتجذر فكرة في الضمير، فإن الجدران والقيود والسلاسل لا تستطيع خنقها.
في سجون الأمن العام، كان للوقت معنى آخر. لم تكن هناك ساعة، لكن كل ثانية كانت تمرّ على القلب بثقل سنة كاملة. كانت للجدران آذان، لكنها لم تكن تملك لساناً للشهادة؛ كانت تسمع وترى، لكنها تظل صامتة. كان التعذيب يحاول تحطيم الجسد، من دون أن يدرك أن الروح تصبح أحياناً أقوى وسط ضعف الجسد.
تحت وطأة الألم، يدرك الإنسان حقيقة عميقة: الحرية ليست مجرد باب مفتوح؛ إنها حالة في داخل الإنسان. قد تُقيَّد الأيدي، لكن الفكر يظل قادراً على التحليق فوق الجبال؛ وقد تكون العين في ظلام غرفة، لكن الحلم يرى نور الصباح؛ وقد يُخنق الصوت، لكن الإيمان يتحدث في الصمت بصوت أعلى.
كان السجن يحاول أن يصغّر العالم الخارجي، لكن العالم الداخلي كان يتسع أكثر. هناك تعلمت أن الأمل هو خبز الروح؛ فإذا حُرم الإنسان منه، تموت روحه قبل أن يموت جسده. لذلك، في قلب الظلام، كان حتى بصيص صغير من النور كافياً ليقول للقلب: لا ليل يدوم إلى الأبد، وفي جوف كل ظلام يولد صباح.
في تلك الرحلة الطويلة، لم يكن لقائي بالشهيد آرام وتعرّفي إلى الرئيس مام جلال والأخ نوشيروان مجرد لقاء بثلاث شخصيات؛ بل كان اقتراباً من ثلاثة وجوه مختلفة للنضال: التضحية، وسعة الرؤية، واستمرار طرح الأسئلة.
كان الشهيد آرام صورةً لذلك الشباب الذي حمل حلماً أكبر من عمره. بعض البشر يعيشون زمناً قصيراً، لكنهم يتركون وراءهم معنى طويلاً؛ كالنجم الذي يغيب عن السماء، لكن ضوءه يظل في الطريق متجهاً نحونا. كان الشهيد آرام من ذلك النوع من البشر؛ انتهى عمره، لكن رسالته ظلت حية في ذاكرة أصدقائه ورفاق نضاله.
وفي مام جلال، كانت تُرى عزة النفس، وسعة الرؤية، ودفء الإنسانية، وفن الحوار؛ فقد كان يمتلك القدرة على فتح نافذة نحو التوافق والأمل حتى في أحلك الأزمات. أما في الأخ نوشيروان، فكانت هناك الدقة، وطرح الأسئلة، والرغبة المستمرة في التجدد. ومن تجربتهما تعلمت أن السياسة من دون فكرة ليست سوى إدارة يومية؛ والفكرة من دون فعل هي حلم يشيخ على الورق. لقد علّماني أن الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها؛ بل هو مسؤولية ينبغي أن نحملها في أعماقنا، ونحميها، ونسلمها بنقاء إلى الأجيال القادمة.
للأسف، لم أحظَ بفرصة اللقاء بكل أولئك المناضلين، لكنهم ظلوا أحياء في أعماقي. كان (خاڵە شهاب ) ورفاقه الأبطال في السجن، أولئك الذين آمنوا بفلسفة "عِش قليلاً، لكن عِش بكرامة"، بالنسبة إليّ ثورةً داخل الثورة الجديدة؛ ثورةً اشتعلت في ضمير الإنسان وإرادته قبل أن تبدأ في الجبال والمدن.
لم أحمل السلاح على كتفي معهم، لكنهم أصبحوا في داخلي سلاحاً من الأمل؛ سلاحاً لا يحتاج إلى رصاص، بل يحتاج إلى الإيمان والصمود. لقد أعاد الأخ علي العسكري ورفاقه إشعال جذوة الثورة الجديدة، وفي ظلام ذلك العصر أضاءوا بدمائهم ونضالهم طريق الحرية. وأثبتوا بالفعل أن الحب ليس مجرد عشق بين شخصين؛ بل يمكن أن يكون حباً للوطن واستعداداً للتضحية أيضاً.
ويؤلمني أننا، على امتداد طريق نضالنا داخل الاتحاد الوطني الكوردستاني، فقدنا عشرات الأصدقاء والمناضلين الأعزاء، (جەمیل رەنجبەر، ئازاد هەورامی ، عەشقی ، مولازم جوامێر  صادق شريف، وسلام عبد الرزاق ) ،إلى جانب عشرات الأسماء العزيزة الأخرى، ليسوا مجرد أسماء في سجل التاريخ؛ فكل واحد منهم جزء من ذاكرتنا وحلمنا وروح نضالنا. رحلوا عنّا، لكن أصواتهم وصورهم ورسائلهم ما تزال حية في أعماقنا.
واليوم أيضاً، فإن مرض (الأخ کۆسرەت و هێرۆخان) يعيد فتح جراحنا القديمة ويعمّق أحزاننا؛ لأنهما ليسا مجرد شخصين، بل هما جزءان من ذاكرة وتاريخ الاتحاد الوطني  الكوردستاني المليء بالنضال والتضحيات. ونأمل أن تعود نعمة الصحة إلى حياتهما من جديد، وأن يفرحا قلوب جميع أصدقائهما ورفاقهما.
واليوم، بعد أن ابتعدنا سنوات طويلة عن تلك الأيام، أقف داعماً ومتعاوناً مع (الأخ بافل) والجيل الجديد، من أجل ألا تعرف شمس الاتحاد الوطني الكوردستاني الغروب، بل تشرق أكثر إشراقاً في أفق المستقبل، وتنثر دفء الأمل على الوطن. وهذا بالنسبة إليّ امتداد للحب نفسه؛ حب بدأ بالعشق، وتحول في السياسة إلى رسالة، وأصبح في الذاكرة مصباحاً لا يزال ينير طريقي حتى اليوم.
وسط كل تلك الأحداث والأسماء الكبيرة، فتحت الحياة لي باب بيت السعادة عندما أصبحت أباً. كانت الأبوة نوعاً آخر من النضال؛ نضالاً بلا سلاح، لكنه مليء بالقلق والانتظار والحب. عندما يصبح الإنسان أباً، فإنه لا يعود يعيش لنفسه وحدها؛ فخوفه وأحلامه وحتى دعواته تبدأ بأسماء أشخاص آخرين.
الطفل صباحٌ يريد الأب أن يحميه من الظلام؛ وهو صفحة بيضاء يخشى الأب أن تُعاد كتابة أخطائه عليها، لكنه يأمل أن تتفتح فيها أجمل أحلامه. لقد علّمتني الأبوة أن التضحية لا تكون في الجبال والسجون فقط؛ ففي بعض الأحيان تحدث داخل بيت صغير، في سهر الليالي والقلق على مستقبل الطفل.
ثم أصبحتُ جداً، وأعادت لي الحياة طفولتي بطريقة جميلة. ففي ضحكة الحفيد أسمع صوت طفولتي من جديد، وفي خطواته الصغيرة أرى الطريق الطويل الذي قطعته في عمري. وكانت الجدودة  تشبه مساءً هادئاً، تتساقط فيه أشعة الشمس، قبل غروبها، برفق على الأشجار والنوافذ، فتكسو كل شيء بلون دافئ.
عندما يصبح الإنسان جداً، يدرك أن الحياة لا تنتهي بموت الفرد؛ بل تستمر في دماء الأحفاد وأسمائهم وذكرياتهم وحبهم. الحفيد جسر بين ما كنا عليه وما سيأتي بعدنا؛ ودليل على أن لكل مساء، في مكان آخر، صباحاً جديداً ينتظره.
والآن، عندما أنظر إلى الوراء، لا أرى الحب والسياسة والذاكرة ثلاثة طرق مختلفة؛ بل أراها جميعاً تلتقي عند نقطة واحدة: الإنسان. علّمني الحب أن أحب الإنسان؛ وعلّمتني السياسة أن أناضل من أجل حقوق الإنسان وكرامته؛ وعلّمني السجن أن أعرف قيمة الحرية؛ وعلّمني الشهيد آرام أن التضحية تعيش أطول من العمر؛ وعلّمني مام جلال والأخ نوشيروان أن الفكرة تظل حية بالحوار والفعل والتجدد؛ كما علّمتني الأبوة والجدودة علمتني  أن المستقبل ينمو في حضن الأسرة.
إذا كان السجن ليلاً، فقد كانت الحرية صباحاً؛ وإذا كان التعذيب جرحاً، فقد كان الإيمان مرهماً؛ وإذا كانت السياسة طريقاً شاقاً، فقد كان الحب والأسرة أزهاراً على جانبي ذلك الطريق. وإذا كان الزمن قد أخذ منا الأصدقاء والأحبة، فقد حفظت لنا الذاكرة أسماءهم ورسائلهم.
ما زلت أؤمن بأن المستقبل، رغم كل الظلمات، يستحق الأمل؛ لأنه ما دام هناك قلب يعرف الحب، وإنسان يناضل من أجل الحرية، وأب يحلم بمستقبل أفضل لطفله، وجدّ يجد في ابتسامة حفيده صباحاً جديداً، فإن الحياة لن تعرف الهزيمة الكاملة أبداً.
لسنا فقط تلك السنوات التي مررنا بها؛ بل نحن أيضاً ذلك الحب الذي منحناه، وتلك الجراح التي عالجناها بالأمل، وتلك الأحلام التي تركناها للمستقبل. وبين الحب والسياسة والذاكرة، يشيخ الجسد، لكن إذا بقي الأمل في القلب، تظل الروح دائماً في بداية صباح جديد.

ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى

PUKMEDIA

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket