عن حكومة تصريف الأعمال في كُردستان العراق

الآراء 10:30 AM - 2026-09-11
 د.عدالت عبدالله

د.عدالت عبدالله

في الأنظمة الديمقراطية لاتطلق قط التسميات على ظواهر الحكم والإدارة من فراغ. ولا يوجد اتفاق ما داخل المجتمع السياسي Political society يمنح الشرعية للعبث أو التعاطي مع هذه الظواهر، إلا من خلال تعديل المواد الدستورية أو إضافة مواد دستورية خاصة. وإذا كان الأمر بمثابة أمر مصيري، فهو سيكون بحاجة إلى توفير أسس متينة للشرعية يتمثل في تدخل الشعب عبر الآليات المألوفة للحياة الديمقراطية، وأبرزها الرجوع إلى سلطة الشعب وممارستها بأشكال مختلفة، حيث غالباً ما يكون الاستفتاء (Referendum) هو الفيصل فيها.
عندما نُميز الحكومة خلال دورتها القانونية عن التي نطلق عليها حكومة تصريف الأعمال، فإن هذا التمييز يعبر عن فلسفة سياسية حداثوية تحافظ على مكانة الشعب، لاسيما في تلك الأوقات والظروف من الحكم وإدارة الدولة التي تلعب فيها المشاركة السياسية للمواطنين دوراً محورياً.
كما ان ذلك يُعد في الوقت ذاته دليلاً على احترام تلك الأسس الدستورية والقانونية التي غالباً ما تُرسخ – في تجارب العديد من الشعوب الديمقراطية – عبر الاستفتاء الشعبي، فضلاً عن كونها تعبيراً عن حضور مجتمع مربط بقيم الحداثة يرفض العودة مجدداً إلى الأنماط المتخلفة للحكم الكلاسيكي والسلطة المطلقة، التي تُهدر فيها الإرادة العامة ليصبح الحكام وحدهم هم أصحاب القرار الأول والأخير في توجيه مصير شعوبهم.
حين يُقال حكومة تصريف الأعمال، فإن هذا التعبير ليس استهزاءً أو إهانة للقوى البشرية التي جاءت من مختلف الأحزاب والتنظيمات السياسية ووُضعت المسؤولية الحكومية على عواتقها، كما أنه ليس تقليلاً من شأن أي خدمة أو مشروع أو إنجاز قدمته للبلاد و العباد خلال تلك الفترة. إن هذا الشكل من الحكومات يعني، في جميع تجارب أنحاء العالم، سلطة انقضى وقتها ولا يجوز لها الاستمرار. وإذا مارست الحكومة كامل صلاحياتها وسلطاتها قبل انتهاء مدتها القانونية والدستورية، فإنها تفقد صفتها بعد ذلك وتصبح مقيدة، وغالباً ما تُوصف بالحكومة المستقيلة.
بمعنى آخر، إن الفرق بين هذا النمط من الحكومة والحكومة الشرعية كاملة الصلاحيات ليس فرقاً سياسياً أو إدارياً فحسب، بل هو مرتبط بمصدر الشرعية وإطار العمل والقرارات التي يمكن اتخاذها. والأهم من ذلك أن الغاية الكبرى من التمييز بين حكومة تصريف الأعمال والحكومة الشرعية هي حماية الروح الديمقراطية. فلو كانت النمط الأول من الحكومات يمتلك ذات الصلاحيات والقرارات والإجراءات التي تمتلكها الحكومة الأصلية والشرعية، لما بقيت أي جدوى أو قيمة للانتخابات ولا للدساتير والقوانين التي ارتضاها الشعب، ولما وقع حتى أي ضغوطات مادية أو معنوية ما على تلك القوى والجماعات السياسية لمغادرة الكابينة الحكومية منتهية الصلاحية خلال المدة القانونية المحددة وتشكيل كابينة جديدة.
إن لُب الاختلاف يكمن في أن حكومة تصريف الأعمال لا معنى لها إلا لضمان إدارة الأعمال والشؤون اليومية للحكومة، وتحديداً خلال المدة القانونية القصيرة الأمد التي يُكلف فيها الفائزون بتشكيل كابينة جديدة، أي أنها تؤدي مسؤولية أخلاقية ومعنوية ليس إلا. وبصرف النظر عن ذلك، لا ثمة أي أساس ديمقراطي أو قانوني يتيح لها التصرف كحكومة كاملة الصلاحيات.
فحكومة تصريف الأعمال لا يحق لها اتخاذ قرارات سياسية ولا تمتلك حق عقد التحالفات والاتفاقيات باسم الشعب أو اختلاق توترات سياسية، أو البت في الحرب والسلم، أو توقيع العقود طويلة الأجل، أو تعيين كبار المسؤولين، أو إعداد مشاريع الموازنة، أو إعادة هيكلة المؤسسات، أو تقديم مشاريع القوانين، أو جلب الديون والقروض للبلاد، أو فرض ضرائب ورسوم جديدة على العباد، أو القيام بأي إجراء أو عمل آخر تترتب عليه آثار مستقبلية على الكابينة الحكومية الجديدة وعلى أوضاع المجتمع.
إننا نطرح هذه المسلمات المتعلقة بحكومة تصريف الأعمال في إقليم كوردستان، لكي ينظر المسؤولون والأحزاب بمنظور انتقادي إلى بقاء ومواصلة حالة تصريف الأعمال، ولكي يشعروا بالمسؤولية والخجل من كون الحكومة فاقدة لشرعيتها الديمقراطية، ولتتذكر الأحزاب السياسية في إقليم كُردستان أن دورات الانتخابات والكابينات الحكومية هي لأربع سنوات فقط لا غير، وأن أي استمرار لهذه الأوضاع لا يمكن تفسيره إلا بفقدان إقليمنا لمزيد من مكانته أمام العالم وأصدقائنا، وبمزيد من تراجع قيمة مؤسساتنا أمام الرأي العام لشعبنا في كُردستان العراق.

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket