الخلافات المالية والسياسية بين إقليم كوردستان وبغداد تتجدد مع اقتراب موازنة 2027

کوردستان 04:10 PM - 2026-10-11
شعار حكومة اقليم كوردستان والحكومة الاتحادية  في بغداد PUKMEDIA

شعار حكومة اقليم كوردستان والحكومة الاتحادية في بغداد

كوردستان

تتواصل الخلافات بين حكومة إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية العراقية منذ عام 2003، وسط تعقيدات سياسية ومالية متراكمة، تتصدرها مستحقات الإقليم المالية، وحصة كوردستان من الموازنة العامة، وآليات تصدير النفط وتسليم الإيرادات المحلية وغير النفطية إلى بغداد.

ومع اقتراب مناقشات وإقرار قانون الموازنة العامة الاتحادية لعام 2027، تعود هذه الملفات إلى واجهة المفاوضات بين أربيل وبغداد، في وقت تتباين فيه المواقف بشأن حجم المستحقات المالية، ومدى التزام الطرفين بالاتفاقات السابقة، والسبل الكفيلة بإنهاء الخلافات التي انعكست بصورة مباشرة على الأوضاع المعيشية للمواطنين.

ولا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على الجانب المالي والسياسي، بل تمتد إلى الصحة النفسية للمواطنين، في ظل القلق المستمر بشأن الرواتب، وركود الأسواق، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، فضلاً عن المخاوف الأمنية والتوترات الإقليمية.

خلافات متراكمة واتهامات بغياب الإرادة السياسية

يرى الدكتور فاضل نبي، وكيل وزارة المالية العراقية السابق، أن حل الخلافات المالية بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية ممكن من الناحية العملية، لكنه يتطلب توافر إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المعنية.

ويشير نبي إلى أن الخلافات لم تتراجع على مدى السنوات الماضية، بل ازدادت تعقيداً، لافتاً إلى استمرار النزاع بشأن حصة الإقليم من الموازنة، وآلية احتساب النفقات الفعلية، والإيرادات المحلية، فضلاً عن المستحقات المالية الأخرى.

ويؤكد أن تثبيت الحقوق الدستورية والقانونية للإقليم في موازنة عام 2027 يمثل أحد أبرز التحديات المطروحة، مشيراً إلى ضرورة معالجة الملفات العالقة، وعدم تحويلها إلى نقاط خلاف متكررة مع كل دورة للموازنة.

وفيما يتعلق بحصة الإقليم، يوضح نبي أن المطالبة بنسبة 14% من الموازنة لا تعني بالضرورة المطالبة بمبلغ ثابت يصل إلى 27 أو 29 تريليون دينار، بل إن قيمة الحصة تتحدد وفقاً لحجم الموازنة وآليات احتسابها.

ويضيف أن جوهر المطالبة يتمثل في تخصيص الحصة المستحقة للإقليم، وضمان صرف رواتب الموظفين، أسوة بالالتزامات المالية التي تتحملها الحكومة الاتحادية في بقية أنحاء العراق.

كما ينتقد نبي، بحسب رأيه، طرح شروط جديدة تتعلق بالإيرادات المحلية، رغم وجود تفاهمات سابقة بشأنها، معتبراً أن استمرار الخلافات يعكس الحاجة إلى اتفاق واضح وملزم للطرفين.

حصة الإقليم بين المطالب المالية والضغوط الاقتصادية

من جانبه، يرى الدكتور عمر محمد، عضو كتلة الاتحاد الإسلامي الكوردستاني وعضو لجنة الاقتصاد والتجارة في مجلس النواب العراقي، أن حجم المطالب المالية المطروحة من جانب الإقليم يرتبط، إلى حد كبير، بتراكم الالتزامات والاستحقاقات خلال السنوات الماضية.

ويوضح أن الموازنة السابقة، التي امتدت لثلاث سنوات، شهدت تراكم ملفات تتعلق بالتعيينات والتقاعد والعقود والترفيعات والترقيات الوظيفية، الأمر الذي انعكس على حجم الموازنة التي أعدها الإقليم، والمقدرة بنحو 29 تريليون دينار.

ويشير محمد إلى أن العراق يمر بمرحلة اقتصادية صعبة، ما يجعل مهمة الوفد الفني والتفاوضي للإقليم أكثر تعقيداً، ويحدّ من قدرته على إقناع الحكومة الاتحادية ووزارة المالية بجميع المطالب المطروحة.

وبناءً على ذلك، يؤكد أهمية توفير دعم سياسي رفيع المستوى للوفد المفاوض من جانب حكومة إقليم كوردستان، لضمان إدراج الحقوق والمستحقات المالية للإقليم ضمن موازنة عام 2027.

ويعتبر أن التحرك الفني وحده قد لا يكون كافياً لحسم الملفات العالقة، في ظل تشابك الاعتبارات المالية والسياسية التي تحكم العلاقة بين أربيل وبغداد.

الانقسام السياسي الكوردي يضعف الموقف التفاوضي

وفي تشخيصه لأسباب استمرار الأزمة، يعزو محمد جانباً من تعثر الحلول إلى غياب الثقة بين الطرفين، فضلاً عن التباينات السياسية والانقسام الداخلي الكوردي.

ويشير إلى أن تشتت المواقف الكوردية يضعف القدرة على التفاوض مع القوى السياسية العراقية، مقارنة بمكونات أخرى تمتلك أطر تنسيق وتفاهم مشتركة.

ويرى أن توحيد الموقف السياسي الكوردي من شأنه تعزيز القدرة على الدفاع عن المستحقات المالية للإقليم، وتحويل المطالب إلى موقف تفاوضي أكثر قوة وتماسكاً.

ويشدد على أن معالجة الخلافات تتطلب تنسيقاً داخلياً أوسع، إلى جانب تفاهمات واضحة مع بغداد تضمن الحقوق المالية للمواطنين، بعيداً عن التجاذبات السياسية المتكررة.

الدستور أساساً لمعالجة الخلافات

من جهتها، تؤكد الدكتورة نرمين معروف، المتخصصة في الشؤون المالية والاقتصادية، أن العودة إلى الدستور العراقي تمثل مدخلاً أساسياً لمعالجة الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان.

وتوضح أن الدستور يتضمن مواد تنظم حقوق الإقليم وصلاحياته، إلى جانب تحديد الاختصاصات المشتركة بين الحكومتين، الأمر الذي يجعل الالتزام بالنصوص الدستورية أساساً لأي تسوية مستدامة.

وتشير معروف إلى أن الخلافات التي تصاعدت منذ عام 2014 أسهمت في تعقيد ملف المستحقات المالية للإقليم، وأدت إلى فرض قيود إضافية على حصته في قوانين الموازنات الاتحادية.

وتلفت إلى تراجع النسبة التي كانت تُحتسب للإقليم من 17% إلى 12.67%، وفقاً لما ورد في تشخيصها للخلافات، فضلاً عن تأثير ارتفاع النفقات السيادية وإدراج آليات احتساب النفقات الفعلية على حجم المبالغ المتبقية للإقليم.

كما تضع ملف النفط في صلب الأزمة، مشيرة إلى الخلافات المتعلقة بقانون النفط والغاز الخاص بالإقليم، وقرارات المحكمة الاتحادية، والنزاع التحكيمي الدولي الذي ارتبط بتصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي.
وترى معروف أن هذه الملفات، وإن اتخذت طابعاً قانونياً وإدارياً، فإنها تتداخل أيضاً مع حسابات سياسية تؤثر في العلاقة بين أربيل وبغداد.

التزامات الإقليم وفرص التوصل إلى تفاهم

وفي المقابل، تشدد معروف على ضرورة النظر إلى التزامات الطرفين بصورة متوازنة، وعدم الاكتفاء بطرح المطالب المالية بمعزل عن الواجبات القانونية والإدارية.

وتشير إلى أن إقليم كوردستان اتخذ، منذ أيلول من العام الماضي، خطوات في ملف النفط، من بينها تصديره وتسويقه عبر شركة تسويق النفط العراقية «سومو»، إلى جانب إجراءات تتعلق بتسليم الإيرادات غير النفطية وتنظيم الملفات المالية والإدارية وتدقيق الحسابات وتوطين رواتب الموظفين.

وبحسب معروف، فإن هذه الخطوات يمكن أن تشكل أرضية مناسبة للتوصل إلى تفاهمات جديدة، خصوصاً في ظل مؤشرات التقارب السياسي بين أربيل وبغداد والحديث عن تشكيل حكومة عراقية جديدة.

وتؤكد أن إدراج المستحقات المالية للإقليم ضمن مناقشات موازنة عام 2027 ينبغي أن يستند إلى تفاهمات واضحة، تأخذ في الاعتبار الالتزامات المنفذة والحقوق المالية المستحقة، بما يحد من تكرار الأزمات مع كل موازنة جديدة.

الأزمات الاقتصادية والأمنية تضغط على المواطنين

ولا تقف آثار الخلافات عند حدود المؤسسات الحكومية، إذ يواجه المواطنون في إقليم كوردستان ضغوطاً معيشية ونفسية متزايدة نتيجة عدم الاستقرار المالي والاقتصادي، إلى جانب المخاوف الأمنية والتوترات الإقليمية.

وفي هذا السياق، يحذر الدكتور هژار عثمان، الطبيب المتخصص في الطب النفسي، من التأثيرات النفسية لتراكم الأزمات، موضحاً أن حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي، إلى جانب القلق بشأن الرواتب وضعف حركة الأسواق وانخفاض دخول المواطنين، تسهم في زيادة مستويات التوتر والقلق داخل المجتمع.

ويشير عثمان إلى اتساع الفجوة الاقتصادية بين شرائح المجتمع، حيث تتمتع فئة محدودة بقدرات مالية كبيرة، في حين تواجه غالبية المواطنين صعوبات في تأمين احتياجاتهم الأساسية، ويعتمد بعضهم على المساعدات الخيرية.

كما يلفت إلى أن بطالة الشباب وعدم تعيين خريجي الجامعات يمثلان عاملين إضافيين يزيدان من الضغوط الاجتماعية والنفسية.

ويؤكد أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى التفكير المفرط والأرق واضطرابات النوم، فضلاً عن القلق والخوف، وقد يتطور الأمر لدى بعض الأشخاص إلى مشكلات نفسية أكثر خطورة عندما يبدأ تأثيرها في تعطيل حياتهم اليومية وعلاقاتهم الاجتماعية.

وسائل التواصل الاجتماعي تزيد الضغوط

وفي ما يتعلق بتأثير التكنولوجيا في الصحة النفسية، يحذر عثمان من الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما يتحول الاستخدام إلى سلوك يؤثر في النوم والعمل والعلاقات الأسرية والاجتماعية.

ويشير إلى أن السهر لساعات متأخرة ومتابعة المحتوى الرقمي بصورة مستمرة قد يؤديان إلى اضطراب نمط النوم والعزلة الاجتماعية، فضلاً عن زيادة التعرض للأخبار السلبية والمحتوى المثير للخوف والإحباط.

ويؤكد أهمية التعامل الواعي مع المعلومات المنشورة على الإنترنت، والتحقق منها وانتقائها، بدلاً من متابعة الأخبار المؤلمة والمحبطة بصورة متواصلة، لما لذلك من آثار محتملة على الاستقرار النفسي.
المخاوف الأمنية وأهمية الحفاظ على التماسك الاجتماعي

ويرى عثمان أن الأحداث الأمنية التي تستهدف الكورد، بما فيها الجرائم التي ترتكبها الجماعات المتطرفة، تترك آثاراً نفسية واسعة، وقد تعزز المخاوف من عودة تنظيم داعش أو تجدد التهديدات الأمنية في مناطق كوردستان.

لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم الاستسلام للخوف والتشاؤم، وعدم الانعزال عن المجتمع، مؤكداً أهمية الحفاظ على الروابط الاجتماعية والتواصل مع الأسرة والأصدقاء، إلى جانب متابعة التطورات الأمنية والسياسية من دون الانغماس المفرط في تفاصيلها.

كما يدعو إلى تحقيق توازن بين الاطلاع على الأخبار المهمة المتعلقة بالشعب الكوردي والحفاظ على الصحة النفسية، بما يساعد المواطنين على التعامل مع الأزمات بصورة أكثر تماسكاً ووعياً.
الخلاصة

تكشف الخلافات المستمرة بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية العراقية عن أزمة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الحسابات السياسية مع الملفات المالية والقانونية، من حصة الإقليم في الموازنة إلى النفط والإيرادات المحلية ومستحقات الموظفين.

ومع اقتراب مناقشات موازنة عام 2027، تبدو الحاجة ملحة إلى حوار جاد يستند إلى الدستور، ويأخذ في الاعتبار الالتزامات المتبادلة، ويضع آليات واضحة ومستقرة لتسوية الخلافات.

وفي الوقت ذاته، فإن استمرار الأزمة من دون حلول مستدامة يفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية على المواطنين، ما يجعل معالجة هذه الملفات ضرورة لا تقتصر على استقرار العلاقة بين أربيل وبغداد، بل تمتد إلى حماية الاستقرار المعيشي والنفسي للمجتمع في إقليم كوردستان.

PUKMEDIA

شاهد المزيد

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket