احتجاجات فرنسا.. ذهول وقلق تجاه مستقبل المجتمع ومؤسسات الدولة

العالم 12:20 PM - 2026-10-19
احتجاجات فرنسا تمتد الى الكثير من المدن رويترز

احتجاجات فرنسا تمتد الى الكثير من المدن

فرنسا

غلبت حالة الذهول على الفرنسيين بعد مشاهد الخراب والفوضى في المدن الرئيسية في البلاد بعد احتجاجات عارمة تشهدها البلاد.
وفي باريس، اندلعت مواجهات جديدة أمس الأحد، في محيط ميدان لا ريبوبليك (ساحة الجمهورية) التي كانت بؤرة لأعمال العنف السبت خلال المظاهرات التي شارك فيها 110 آلاف شخص في العاصمة، و550 ألفا على مستوى البلاد بحسب الأرقام الرسمية.
ونددت زعيمة حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف مارين لوبان التي تُعد من أبرز المرشحين للانتخابات الرئاسية المقررة في نيسان/أبريل وأيار/مايو المقبلين، بما وصفته بـ "أزمة عميقة" تشكل "تهديدا للديمقراطية"، وذلك في مقطع مصور حمل نبرة بالغة الجدية نشرته عبر حساباتها على شبكات التواصل الاجتماعي.
أما جان لوك ميلنشون، زعيم اليسار الراديكالي الذي تتهمه الحكومة وخصومه السياسيون بتأجيج العنف، فقد دعا ماكرون إلى وضع حد لـ"حالة التدهور" والاستجابة لمطالب الشباب.

تاريخ طويل من الاحتجاجات
وبخصوص الأحداث التي تشهدها فرنسا، صرّح الدكتور لؤي جاف، الأستاذ الجامعي والعضو السابق لبلدية غرب باريس، لـ PUKMEDIA قائلاً: "إن تظاهرات الطلبة في فرنسا ليست مجرد تظاهرات عادية، بل هي مطالبة بإصلاح قطاع التعليم واحتجاجات اجتماعية، فضلاً عن أعمال العنف التي ترتكبها مجموعات (البلاك بوب- Black Blocs)، كما أنها حصيلة لتراكم الاحتجاجات طوال السنوات العشر الماضية".
وأضاف د. لؤي جاف: "إن التظاهرات تجاوزت أسوار المدارس وانتقلت إلى الشوارع، ووفقاً لأحدث الإحصائيات فقد لقي شخص واحد حتفه حتى الآن، واعتقل قرابة 2400 شخص، وأُصيب نحو 1000 شرطي بجروح، وهو ما يوضح أن التظاهرات دخلت مرحلة جديدة".
وأوضح أن "تظاهرات طلبة المرحلة الإعدادية والثانوية في فرنسا لها تاريخ طويل؛ فمنذ حقبتي الثمانينيات والتسعينيات استمر الطلبة في الاحتجاج ضد نقص الإمكانيات، وسوء أوضاع المدارس، والقوانين والتعليمات"، مشيرا الى أنه "في عام 2005، جمعت الاحتجاجات المناهضة لمشروع عقد العمل الأول (CPE)  الشباب وطلبة الجامعات. وفي عام 2018، جرت تظاهرات ضد التعديلات التي طالت امتحانات البكالوريا (الامتحانات النهائية للمرحلة الثانوية BAC) ونظام القبول الجامعي. كما شارك قسم من الطلبة في عام 2023 في الاحتجاجات المناهضة لتعديلات نظام التقاعد".
وأكد أن "هذا التاريخ يظهر أن احتجاجات الطلبة غالباً ما تتجاوز إطار المدارس لتصبح تعبيراً عن قلق شامل تجاه مستقبل المجتمع ومؤسساته".

ترامب: فرنسا تحترق
وقد أثارت الأزمة الفرنسية ردود فعل دولية. فقد كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن "فرنسا تحترق"، معتبرا أن الهجرة "حطمت" بلدا "كان عظيما يوما ما".
واعتبر الرئيس الأميركي، أن الهجرة هي سبب الاضطرابات التي تشهدها فرنسا، وحث باريس على "إغلاق الحدود"، وذلك غداة احتجاجات واسعة النطاق تخللتها أعمال عنف.
وقال ترامب في منشور على منصته "تروث سوشال": "فرنسا تحترق! إن هجرة أشخاص من عالم مختلف تماماً، أشخاص يحملون الكراهية في قلوبهم، قد حطمت ذلك البلد الذي كان عظيماً يوماً ما".

ألف شرطي مصاب
وبحسب أحدث حصيلة صادرة عن وزارة الداخلية، أوقف 2397 شخصا إثر أعمال الشغب، كما أُصيب نحو 1000 من عناصر الشرطة والدرك، سبعة منهم إصاباتهم خطيرة.
وأعلنت مديرية شرطة باريس الأحد أنه تم توقيف 855 شخصا في العاصمة وحدها، وهو "رقم قياسي". وبحسب النيابة العامة في باريس، لا يزال أكثر من 550 شخصا موقوفين لدى الشرطة.
وأفادت مديرية الشرطة بأنه تم رصد أكثر من 30 ألف شخص شاركوا في أعمال نهب في مدينة مرسيليا الساحلية بجنوب البلاد السبت.
وفي مدينة سانت إتيان في وسط فرنسا الشرقي، فقد أحد المتظاهرين يده إثر انفجار قنبلة أطلقتها الشرطة، وفق مصدر مطلع على القضية.
أما في مدينة تولوز، فقد تم إخطار "شرطة الشرطة" (الهيئة المعنية بالتحقيق في تجاوزات قوات الأمن) بعد أن فقدت شابة إحدى عينيها.

ماكرون : "لا شيء يبرر" أعمال العنف
واعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأحد أن "لا شيء يبرر" أعمال العنف التي تخللتها الاحتجاجات على تكاليف المعيشة في فرنسا خلال اليومين الماضيين، مبديا "الغضب والعار" حيال ما حصل ومتوعدا من "دمروا" و"نهبوا" بالمحاسبة.
وقال ماكرون في كلمة تلفزيونية وجهها إلى الفرنسيين "نشعر جميعا هذا المساء بالغضب والعار" داعيا إلى التمييز بين المتظاهرين الذين يعبرون عن "مطالب مشروعة" ومرتكبي "أعمال النهب والتحطيم". وأضاف "يجب أن يدفع من قاموا بالتدمير الثمن"، متعهدا أن تتعامل الحكومة "بكل حزم" مع مثيري الشغب.
وشدد على أنه "لا شيء يبرر ولا شيء يعذر" هذا العنف الذي وصفه بأنه "غير مسبوق" و"جامح". وأشار إلى أن المسؤولين المحليين قد يصل بهم الأمر إلى حظر بعض التجمعات في الأيام المقبلة، وذلك بالتنسيق مع البلديات.
وبحسب مصدر مطلع، نُشرت الوحدة الثامنة من قوات الأمن الجمهوري (سي إر إس 8)، وهي وحدة متخصصة في مكافحة العنف الحضري، لليوم الثاني على التوالي بالقرب من ساحة الجمهورية لتفريق تجمعات غير مرخص لها.
كما تعرض متجر واحد على الأقل لبيع الملابس للنهب في تلك المنطقة التي كانت قد انطلقت منها المظاهرة الباريسية السبت.
واستمرت أعمال النهب والاشتباكات مع قوات الأمن وعمليات التخريب حتى وقت متأخر من ليل السبت إلى الأحد.

احتجاجات عنيفة خلال عهدة ماكرون
وشهدت فرنسا في السنوات الماضية تحركات مطلبية كثيرة اتسم بعضها بالعنف، مثل احتجاجات "السترات الصفراء" (2018-2019)، وأعمال الشغب التي اندلعت عقب مقتل الشاب نائل عام 2023، أو المظاهرات المناهضة لإصلاح نظام التقاعد في العام نفسه.
غير أن بعض المراقبين يرون أن أحداث السبت تمثل نقطة تحول.
وقال رئيس بلدية باريس الاشتراكي إيمانويل غريغوار إنّ "شوارع بأكملها تعرّضت للنهب الممنهج". وأعربت نائبته الأولى لمياء العراجة عن أسفها "لنقص الموارد" المتاحة للشرطة لوقف أعمال النهب.
وأدلى رئيس بلدية ليموج غيوم غيران (يمين) بانتقادات مماثلة، معربا عن أسفه لأن الشرطة الوطنية "تفتقر إلى الموارد".
ومنذ السبت، طالب رئيس بلدية مرسيليا بينوا بايان (يسار) الحكومة بإجابات. وقال "أريد أن أعرف ما حدث. أريد أن أعرف لماذا تمكّن الناس في هذه المدينة من التخريب من دون عقاب".

لجنة تحقيق برلمانية
وأعلنت رئيسة الجمعية الوطنية يائيل برون-بيفيه (من حزب "النهضة" المؤيد لماكرون)، عن تشكيل لجنة تحقيق برلمانية حول أعمال العنف، ستتناول أيضا استراتيجية حفظ النظام.
وبعد أعمال التخريب والنهب التي طالت الكثير من المباني البلدية والمتاجر في العديد من المدن التي طالتها أعمال العنف، كان الأحد مخصصا لتقييم الأضرار، وسط مشاعر الأسى وأحيانا الغضب.
وفي باريس، عبرت سيسيل روغ (57 عاما) عن أسفها قائلة "إنه أمر مؤسف ومروع؛ فقد رأينا بالأمس هنا مجموعات من الشباب يعيثون نهبا وتخريبا بدون أي خشية من العقاب".
وساد شعور مماثل أمام مبنى بلدية ليموج الذي انهار سقفه. وقال جان لوي، وهو متقاعد من سكان المنطقة "تزوج أبنائي هنا، وهذا يفطر القلب. يمكن للمرء أن يطرح مطالبه من دون تدمير كل شيء".
وفي وسط المدن، بادر متطوعون تلقائيا للمساعدة في إزالة مخلفات أعمال التخريب من الشوارع، في محاولة لتجاوز شعورهم بالعجز. وقالت كليمانتين (47 عاما) في مدينة ليون "استيقظت هذا الصباح... ولم أجد كلمات تصف ما حدث، لكنني أردت أن أشعر بأنني مفيدة".

أضرار بمئات الملايين
قدّر اتحاد التجارة والتوزيع أن 1500 تاجر في البلاد قد تضرروا، مع تقديرات بتسجيل أضرار بمئات ملايين اليوروهات.
وبحسب السلطات، توفي شخص كان يشارك في مظاهرة بالعاصمة إثر وعكة صحية، من دون أن يكون للأمر أي صلة بأعمال العنف أو بأي إجراء اتخذته قوات الأمن.
ومن المتوقع أن يشكل هذا اليوم "نقطة تحول بلا شك"، بحسب صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية، التي أعربت على غرار وسائل إعلام أجنبية أخرى عن صدمتها من مستوى العنف.

PUKMEDIA

شاهد المزيد

الأكثر قراءة

لتصلكم اخبارنا لحظة بلحظة

حملوا

Logo تطبيق

app app Logo
The News In Your Pocket