جمالٌ للعين، وقيمةٌ للحياة
الآراء 01:13 PM - 2026-10-25
PUKMEDIA
عماد أحمد
على الورق، لا يفصل بين «جمال» و«كمال» سوى حرف واحد؛ فكلٌّ منهما يتكوّن من خمسة أحرف، أربعة منها مشتركة. لكن هذا الاختلاف الصغير قد يتحوّل أحيانًا في الحياة إلى مسافة شاسعة؛ مسافة بين المظهر والخلق، وبين الوعد والفعل، وبين ما تراه أعيننا وما نعرفه بالتجربة.
الجمال يجذب انتباهنا، أما الكمال فيجعلنا نبقى.
ثمة جمال يُرى من النظرة الأولى، وثمة جمال لا يكشف عن نفسه إلا بمرور الزمن.
أحدهما يُرضي العين، والآخر يطمئن القلب.
وحين يجتمع الاثنان، يُكمل المظهرُ الجوهرَ، ويُكمل الجوهرُ المظهرَ.
فالجمال في الوجه يلفت الأنظار، أما الكمال فيتجلّى في القلب والأخلاق.
والوجه يتغيّر بمرور السنين، لكن جمال الأخلاق يستطيع أن يزداد عمقًا.
في رؤية مولانا الرومي، لا يقتصر الجمال على ملامح الوجه، بل يتجلّى في نقاء القلب وجمال الأخلاق. أما الكمال، فيتشكّل من معرفة الذات وتهذيب الباطن؛ وهو ما يحوّل الجمال من انطباع عابر إلى قيمة راسخة.
كانت أمي «گوهەر» تقول حين ترى امرأة لا تبدو جميلة إلا من بعيد: «دوورکوژە!»، أي «قاتلة من بعيد!».
واليوم، تعيد هذه الكلمة إلى ذاكرتي حقيقة أن الجمال قد يجذب الأنظار من مسافة بعيدة، لكن معرفة الإنسان تستلزم الاقتراب منه أكثر.
فالوجه يُرى بنظرة، أما الأخلاق فلا تُعرف إلا من خلال المعاملة ومرور الزمن.
يقول المثل العربي: «القرد بعين أمه غزال». ولدى الكورد مثلٌ يقول: إن القطة تضمّ صغيرها إلى صدرها وتقول: يا لَنعومة هذا الصغير ولطفه!
للحب عيناه الخاصتان؛ فهو يرى أحيانًا جمالًا لا تراه عيون الآخرين. لذلك، فإن نظرتنا إلى الجمال والكمال ليست واحدة ولا ثابتة؛ إذ تتغيّر تجارب الإنسان ورؤيته بتغيّر الزمان والمكان. فما يبدو جميلًا في عين شخص قد يبدو عاديًا في عين آخر. وما نظن أننا نعرفه اليوم معرفة تامة، قد تكشف لنا الأيام عن نواقصه وعيوبه. لكن اختلاف وجهات النظر هذا يجب ألا يدفعنا إلى إحلال المظهر محل الجوهر، أو إلى التغاضي عن العيوب بدافع الحب.
وعلى مائدة الطعام أيضًا، يشكّل اللون والرائحة والمذاق، كلٌّ منها، جزءًا من متعة الأكل. فالطعام يُؤكل أولًا بالعين، ثم تثير رائحته الشهية، وبعد ذلك يحسم مذاقه الحكم عليه. وقد تجذبنا مائدة أنيقة للحظة، لكن إذا كان طعامها بلا نكهة، فلن تمنحنا سوى انطباع عابر. وكذلك الطعام اللذيذ، إذا قُدّم بطريقة غير أمينة، فلن يترك فينا رغبة في تناوله.
وفي الحديقة، تقف شجرة شامخة، ذات قامة عالية وأوراق خضراء، لكنها لا تحمل ثمارًا. لا ينبغي أن نعدّها عديمة القيمة؛ فهي تمنح الظل، وتبني الطيور أعشاشها بين أغصانها. لكن إذا كنا قد زرعناها من أجل ثمارها، فإن جمال أوراقها لن يلبّي انتظارنا. وحتى إذا أثمرت، لكن ثمارها افتقرت إلى الطعم والرائحة، فلن تكفي كثرة محصولها وحدها لإرضائنا.
والزهرة التي لا رائحة لها جميلة أيضًا، لكننا حين نقرّبها من أنوفنا نشعر بأن انتظارنا لم يُلبَّ. فقيمة كل شيء تُقاس بطبيعته وبما نتوقعه منه. وليس مطلوبًا من كل شجرة أن تثمر، لكن انتظار الثمار من شجرة مثمرة أمر طبيعي.
وفي الإنسان، تصبح هذه العلاقة أعمق. فالوجه الجميل يجذب انتباهنا في اللقاء الأول، لكن إذا كان وراءه لسان جارح وقلب قاسٍ، أخذ جماله يتلاشى تدريجيًا في أعيننا. وهناك من لا يجذب انتباهنا في اللقاء الأول، لكنه يمسك بأيدينا في يوم الشدة؛ ومنذ ذلك اليوم، نراه بعين مختلفة.
إن الأخلاق تغيّر أيضًا الطريقة التي نرى بها الوجوه. فالمظهر هبة من هبات الطبيعة، أما الأخلاق فتتكشف في اختياراتنا اليومية الصغيرة: في طريقة حديثنا مع من لا يملك سلطة، وفي حفظ أسرار صديق، وفي الوفاء بوعد لا يجبرنا أحد على تنفيذه.
في السياسة، يصل الفرق بين المظهر والجوهر إلى حياة آلاف البشر. فقد يصنع خطاب حماسي، وشعار براق، وقاعة مكتظة بالتصفيق، صورةً توحي بالنجاح. لكن خارج تلك القاعة، هناك متقاعد ينتظر راتبه، ومريض يحتاج إلى الدواء، وشاب يبحث عن عمل. هؤلاء يسمعون الوعود بآذانهم، لكنهم يقيسون نتائجها بحياتهم.
وفي السياسة والحياة الاجتماعية أيضًا، لا يقلّ عدد «القتلة من بعيد»؛ فشعار من مسافة بعيدة يخطف القلب، ووعد يمنح الأمل، لكن حين نتعمّق في تفاصيل الحياة، يتبيّن لنا مقدار الأفعال والإنجازات الكامنة وراء ذلك الجمال الظاهري.
تكتمل المدرسة الجميلة بمعلمين أكفاء وتعليم جيد، والمستشفى الحديث بالعلاج واحترام المرضى، والسلطة بالعدالة وخدمة الناس. فجمال المباني والخطابات له قيمته، لكنه لا يستطيع أن يحلّ محل الواجب الذي أُنشئت تلك المؤسسات لأدائه.
ولا يعني الكمال السياسي انعدام الأخطاء، بل يتجلّى في القدرة على رؤية أوجه القصور، والاستماع إلى النقد، وتصحيح الأخطاء. فالسلطة التي تعتقد أنها كاملة تغلق على نفسها أبواب التعلّم. وأحيانًا، تعيد مصارحة صادقة وخطوة إصلاحية واحدة الثقةَ أكثر مما تعيدها عشرات الخطابات المنمّقة.
ويواجه المجتمع الاختبار نفسه. فالمدينة جميلة بشوارعها وحدائقها، لكن إذا عجز طفل عن عبور أحد شوارعها بأمان، أو لم يتمكن شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة من دخول إحدى حدائقها، فإن جمالها يظل ناقصًا. فقيمة المدينة تتجلّى أيضًا في نوعية الحياة التي تتيحها لسكانها، ولا سيما أولئك الذين لا يُسمع صوتهم كثيرًا.
في الأدب، تفتح الكلمة الجميلة باب النص، لكن لكي يبقى النص في الذاكرة، ينبغي له أن يحرّك شعورًا، أو يوقظ فكرة، أو يترك سؤالًا. فالنص الذي يكتفي بالتزيّن بالكلمات قد يشغل العين، لكنه يترك القلب فارغًا. وكذلك الفكرة العميقة، إذا أُسرت في لغة معقدة وجافة، فإنها تحرم نفسها من الوصول إلى القارئ.
ويقول الشاعر الكوردي محوي:
(إن لم يكن في الرأس فورانٌ، فما جدوى أن أكون كومةً من القش؟ وإن لم يكن في القلب وعيٌ، فما جدوى أن أكون زجاجةً فارغة؟)
ولا يعرض الفن دائمًا جمالًا هادئًا. فقد تكون لوحة لوجه متعب، أو حكاية عن بيت فقير، شديدة التأثير؛ لأنها تجعلنا نرى شيئًا مررنا بجانبه من قبل دون أن ننتبه إليه. فجمال العمل يكمن في صدق التعبير وعمق الرؤية. وأحيانًا، يترك الفن في أذهاننا سؤالًا لا يدعنا نركن إلى الراحة.
كذلك، لا تُقاس الثقافة بعدد الكتب المقروءة أو كثرة المعلومات المحفوظة. ينبغي للمعرفة أن توسّع قدرتنا على الفهم، وأن تفتح آذاننا للأفكار المختلفة، وأن تجعلنا نتريّث قبل إصدار الأحكام. فإذا كانت القراءة لا تزيدنا إلا غرورًا وتعاليًا، فعلينا أن نسأل أنفسنا: ما الذي انتقل من كل تلك الصفحات إلى حياتنا؟
وأنا أيضًا، حين أمسك بالقلم، أجد نفسي أمام السؤال ذاته: هل هذه الكلمات جميلة فحسب، أم أنها تحمل شيئًا من تجارب الحياة وحقائقها؟ وهل سيبقى شيء منها في قلب القارئ بعد أن ينتهي من قراءتها؟
يمكن للجمال والكمال أن يسيرا جنبًا إلى جنب؛ مثل الكلمة الجميلة والموقف الصائب، ومثل المائدة النظيفة والخبز الطيب المذاق. وتبدأ المشكلة حين نكتفي بالمظهر ونرضى به، دون أن نسأل عن الجوهر.
أفكّر في نخلة على ضفة نهر الزاب؛ تقف شامخة بقامتها العالية وسعفها الجميل. وحين تنحني عناقيدها تحت ثقل الثمار، وتمتد يد لتقطف تمرها، يجد انتظار عام كامل إجابته.
ونحن أيضًا، في الحياة، لا يكفي أن نسأل كيف نبدو، بل ينبغي أن نسأل: ماذا نقدّم للآخرين؟.
المزيد من الأخبار
-
كتلة الاتحاد الوطني تطالب بغداد بتجهيز إقليم كوردستان بـ250 مليون لتر من النفط الأبيض
05:30 PM - 2026-10-27 -
رئيس الوزراء يوجّه بالإسراع في إنجاز التصاميم الأساسية للمدن الجديدة
05:13 PM - 2026-10-27 -
رئيس الجمهورية يؤكد أهمية توظيف الخبرات العراقية في تطوير الاقتصاد الرقمي
03:01 PM - 2026-10-27 -
البنك المركزي: وصول شحنتين جديدتين من الدولار تصل قيمتهما إلى مليار دولار
01:25 PM - 2026-10-27
شاهد المزيد
إيبولا يفتك بالمزيد من دول أفريقيا.. أكثر من 10 آلاف حالة في الكونغو فقط
07:21 PM - 2026-10-27
رئيس الجمهورية يؤكد على اهمية إقامة علاقات متوازنة مع محيطه الإقليمي والدولي
05:01 PM - 2026-10-27
المحكمة الاتحادية العليا تقضي بعدم دستورية قرار يمنع غير العراقيين من تملّك الأموال والاستثمار
02:14 PM - 2026-10-27
وزارة المالية: لاتوجد اية مشاكل امام تمويل رواتب الموظفين
01:16 PM - 2026-10-27
الأكثر قراءة
-
اجتماع طهران الرباعي: استمرار المباحثات المشتركة لتعزيز التعاون
العالم 07:39 PM - 2026-10-26 -
المحكمة الاتحادية العليا تقضي بعدم دستورية قرار يمنع غير العراقيين من تملّك الأموال والاستثمار
العراق 02:14 PM - 2026-10-27 -
البنك المركزي: وصول شحنتين جديدتين من الدولار تصل قيمتهما إلى مليار دولار
إقتصاد 01:25 PM - 2026-10-27 -
تراجع اسعار النفط بفضل جهود الوساطة بين واشنطن وطهران
إقتصاد 09:04 AM - 2026-10-27 -
وزارة المالية: لاتوجد اية مشاكل امام تمويل رواتب الموظفين
إقتصاد 01:16 PM - 2026-10-27 -
مديرة تنفيذية في آسياسيل تفوز بجائزة متقدمة بقطاع تكنولوجيا المعلومات
العراق 09:43 AM - 2026-10-27 -
إقليم كوردستان يؤكد دعمه لتطوير قسم اللغة الكوردية في جامعة بغداد
کوردستان 01:00 PM - 2026-10-27 -
رئيس الجمهورية يؤكد أهمية توظيف الخبرات العراقية في تطوير الاقتصاد الرقمي
العراق 03:01 PM - 2026-10-27




.webp)


تطبيق

